ابن كثير
498
السيرة النبوية
فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين ، ولوددت أنى عنده فأغسل عن قدميه ! ثم قال : الحق بشأنك . قال : فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى وأقول : يا عباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، وأصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم . قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري قال : حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال : قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن أبيت فإن إثم الأكارين ( 1 ) عليك . قال : فلما انتهى إليه كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه ، إنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه . فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فأشرجت ( 2 ) عليهم ، واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف ، فقال : يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب أحمد ، وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ( 3 ) ومجمل ذكره في كتابنا ، نعرفه بعلاماته وزمانه ( 4 ) ، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم . فنخروا نخرة رجل واحد ، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم . فخافهم وقال : ردوهم على . فردوهم عليه فقال لهم : يا معشر الروم ، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ؟ فلقد رأيت منكم ما سرني . فوقعوا له سجدا ، ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا .
--> ( 1 ) الأكار : الحراث . ( 2 ) أشرجت : أغلقت . ( 3 ) ا : الذي ينتظر . ( 4 ) ا : بعلامات زمانة .